الحلبي

390

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ثم سار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالناس سيرا حثيثا أي صار يضرب راحلته بالسوط في مراقها : أي مارق من جلد أسفل بطنها ، وسار يومهم ذلك وليلتهم ، وصدر ذلك اليوم الثاني حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس ، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض وقعوا نياما ، وإنما فعل صلى اللّه عليه وسلم ذلك ليشتغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد اللّه بن أبي ابن سلول . قال وذهب بعض الأنصار الذين سمعوا قول النبي صلى اللّه عليه وسلم ورده على الغلام إلى ابن أبي لعنه اللّه . فقال له : يا أبا الحباب إن كنت قلت ما نقل عنك فأخبر به النبي صلى اللّه عليه وسلم فليستغفر لك ، ولا تجحده فينزل فيك ما يكذبك وإن كنت لم تقله فائت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاعتذر له واحلف له ما قلته ، فحلف باللّه العظيم ما قاله من ذلك شيئا ، ثم مشى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يا ابن أبيّ إن كانت سبقت منك مقالة فتب ، فجعل يحلف باللّه ما قلت ما قال زيد ، وما تكلمت به انتهى . أي وفي لفظ أنه صلى اللّه عليه وسلم أرسل إلى ابن أبي فأتاه ، فقال له : أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني عنك ؟ فقال : والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك ، وإن زيدا لكاذب ، فقال من حضر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الأنصار : يا رسول اللّه عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل . أي ، وفي لفظ أنهم قالوا : يا رسول اللّه شيخنا وكبيرنا لا يصدق عليه كلام غلام . ثم إن عبد اللّه رضي اللّه عنه ولد عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، أي وكان اسمه الحباب ، فسماه صلى اللّه عليه وسلم يوم موت أبيه عبد اللّه لما بلغه مقالة عمر رضي اللّه عنه من قتل أبيه ، جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال يا رسول اللّه إنه قد بلغني أنك تريد قتل عبد اللّه بن أبي يعني والده فيما بلغك عنه ، فإن كنت فاعلا فمرني أن أحمل لك رأسه ، فو اللّه لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالده مني ، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله ، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا . قال وفي رواية ، فمرني ، فو اللّه لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا ، وإني لأخشى يا رسول اللّه أن تأمر به غيري فيقتله ، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فأدخل النار ، فعفوك أفضل ، ومنتك أعظم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما أردت قتله ، ولا أمرت به ولنحسنن صحبته ما كان بين أظهرنا ، فقال عبد اللّه : يا رسول اللّه إن أبي كانت أهل هذه البحيرة أي المدينة ، اتفقوا على أن يتوّجوه عليهم ، فجاء اللّه عز وجل بك فوضعه ورفعنا بك ، أي زاد في رواية : ومعه قوم أي من المنافقين يطيفون به ويذكرونه أمورا قد غلب اللّه عليها ، وتقدم أنه وقع لعبد اللّه رضي اللّه عنه مثل ذلك مع أبيه .